محمد ابو زهره

514

خاتم النبيين ( ص )

اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ، وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وذلك بعد قوله تعالى الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ ( البقرة - 194 ) . ونجد من هذه النصوص أن ابتداء الاعتداء كان من المشركين ، وأنه كان لاعتداء المشركين على الحرية الدينية وفتنة المؤمنين في عقائدهم ليحملوهم على تركها . وإننا إذا أمرنا برد الاعتداء بمثله ، طلب منا مع ذلك طلبان جليان آخران وهما : النهى عن الاعتداء ، فنهينا عن الاعتداء ، والاعتداء بأن نقاتل من لم يبدأنا بالقتال ، ولم يمنع الدعوة الإسلامية من السير في طريقها ، والطلب الثاني أمرنا بالتقوى ، وهو التزام الفضيلة ، فإن كانوا يعتدون على الأعراض لا نجاريهم ، وإن كانوا يمثلون بالقتلى لا نمثل بقتلاهم كما سنبين إن شاء اللّه تعالى . لقد علمنا مما قصصنا من السيرة الطاهرة أن النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم مكث يدعو إلى الإسلام ثلاث عشرة سنة توالى فيها الأذى على المؤمنين ، وخصوصا ضعفاءهم ، ولم يسلم من أذاهم إلا من يكون ذا بطش يخشى بطشه كعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب ، ومع ذلك لم يسلموا من الأذى تماما ، بل كانت سلامتهم نسبية . ورسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لم يسلم من آذاهم ، حتى رموا عليه وهو ساجد فرث جزور ، حتى لقد هموا بقتله عليه الصلاة والسلام ، ليلة الهجرة ، وقد هاجر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهاجر من كان عنده قدرة على الهجرة . ترك المهاجرون ديارهم وأموالهم فرارا بدينهم الذي ارتضوا ، والمشركون سادرون في غيهم . وترك النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ضعفاء ، لا قدرة عندهم على الهجرة ، وهم يعذبون أشد العذاب ، فهل من مقتضى الرحمة أن يترك هؤلاء يعذبون ، ويلقى بهم في المحابس ، إنه لا بد من أن يذوق الذين يؤذونهم وبال أمرهم . وننتهى من هذا ومن النصوص السابقة إلى أن الباعث على الحرب دفع الاعتداء ، ومنع الأذى المستمر ، وعقوبة الظالمين ، وتأمين الدعوة الإسلامية حتى لا تكون فتنة في الدين ، ويتبع الناس الدليل ، ولم يتبعوا الحكام الذين يرهقونهم ويسومونهم الخسف والهوان . هذا هو أمر القتال في شبه الجزيرة العربية ، الذي ابتدأ في قريش . ثم عمم أجزاءها عندما اجتمعت القبائل على حربه في غزوة الأحزاب ، أو غزوة الخندق ، وأرادوا اقتلاع الإسلام من قصبته في المدينة الطاهرة ، فنزل قوله تعالى : وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ( التوبة - 36 ) .